ابن كثير

144

البداية والنهاية

ثم سار إلى نابلس فخاف الناصر داود بن المعظم من عمه الكامل ، فكتب إلى عمه الأشرف فقدم عليه جريدة ، وكتب إلى أخيه الكامل يستعطفه ويكفه عن ابن أخيه ، فأجابه الكامل : بأني إنما جئت لحفظ بيت المقدس وصونه عن الفرنج الذين يريدون أخذه ، وحاشى لله أن أحاصر أخي أو ابن أخي ، وبعد أن جئت أنت إلى الشام فأنت تحفظها وأنا راجع إلى الديار المصرية ، فخشي الأشرف وأهل دمشق إن رجع الكامل أن تمتد أطماع الفرنج إلى بيت المقدس ، فركب الأشرف إلى أخيه الكامل فثبطه عن الرجوع ، وأقاما جميعا هنالك جزاهما الله خيرا ، يحوطان جناب القدس عن الفرنج لعنهم الله . واجتمع إلى الملك جماعة من ملوكهم ، كأخيه الأشرف وأخيهما الشهاب غازي بن العادل وأخيهم الصالح إسماعيل بن العادل ، وصاحب حمص أسد الدين شيركوه بن ناصر الدين ، وغيرهم ، واتفقوا كلهم على نزع الناصر داود عن ملك دمشق وتسليمها إلى الأشرف موسى . وفيها عزل الصدر التكريتي عن حسبة دمشق ومشيخة الشيوخ وولي فيها اثنان غيره . قال أبو شامة : وفي أوائل رجب توفي الشيخ الصالح الفقيه أبو الحسن علي ابن المراكشي المقيم بالمدرسة المالكية ، ودفن بالمقبرة التي وقفها الزين خليل بن زويزان قبلي مقابر الصوفية ، وكان أول من دفن بها رحمه الله تعالى . ثم دخلت سنة ست وعشرين وستمائة استهلت هذه السنة وملوك بني أيوب مفترقون مختلفون ، قد صاروا أحزابا وفرقا ، وقد اجتمع ملوكهم إلى الكامل محمد صاحب مصر ، وهو مقيم بنواحي القدس الشريف ، فقويت نفوس الفرنج ( 1 ) لعنهم الله بكثرتهم بمن وفد إليهم من البحر ، وبموت المعظم واختلاف من بعده من الملوك ، فطلبوا من المسلمين أن يردوا إليهم ما كان الناصر صلاح الدين أخذ منهم ، فوقعت المصالحة بينهم وبين الملوك أن يردوا لهم بيت المقدس وحده ، وتبقى بأيديهم بقية البلاد ( 2 ) ،

--> ( 1 ) قال رنسيمان صاحب تاريخ الحروب الصليبية 3 / 330 إن وراء قوة الفرنج أسبابا هامة ذكرها قال : 1 - قوة فردريك وتفوقه في المساومة بالمفاوضات الجارية مع الكامل . 2 - حصار الكامل لدمشق لم يلحق الضرر بالناصر داود ابن أخيه . 3 - اخذ جلال الدين خوارزمشاه يوجه اهتمامه من جديد صوب الغرب . 4 - أتم فردريك عمارة استحكامات يافا . ( 2 ) ذكر رنسيمان بنود معاهدة المصلح الموقعة في 18 فبراير سنة 1229 مع ممثلي الكامل ، 3 / 330 : - تحصل مملكة بيت المقدس على مدينة القدس ذاتها وبيت لحم . - مع شريط من الأرض يخترق لد وينتهي عند يافا على البحر فضلا عن الناصرة وغرب الجليل مع حصني مونتفورت وتبنين . - يظل بأيدي المسلمين من بيت المقدس ، منطقة المعبد بما تحتوي عليه من قبة الصخرة والمسجد الأقصى . - للمسلمين الحق في التردد إليها وحرية العبادة . - اطلاق سراح الاسرى عند كل من الجانبين . - أجلها عشر سنين ( مسيحية ) الموافقة عشر سنين وخمسة شهور ( هجرية ) وانظر تاريخ أبي الفداء 3 / 141 .